العيني

3

عمدة القاري

النبي صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كالمشورة يشير بها : فأما لا ، فلا تتبايعوا الثمر حتى يبدو صلاحه ، لكثرة خصومتهم واختلافهم . وأخرجه البيهقي أيضا في ( سننه ) موصولاً . وأخرجه الطحاوي في معرض الجواب عن الأحاديث التي فيها النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها ، التي احتجت بها الشافعية والمالكية والحنابلة ، حيث قالوا : لا يجوز بيع الثمار في رؤوس النخل حتى تحمر أو تصفر . فقال الطحاوي : وقد قال قوم : إن النهي الذي كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها لم يكن منه تحريم ذلك ، ولكنه على المشورة منه عليهم ، لكثرة ما كانوا يختصمون إليه فيه . ورووا في ذلك عن زيد بن ثابت حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : حدثنا أبو زرعة وهب الله عن يونس بن زيد ، قال : قال أبو الزناد : كان عروة بن الزبير يحدث عن سهل بن أبي حثمة الأنصاري أنه أخبره أن زيد بن ثابت كان يقول : كان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبايعون الثمار ، فإذا جذ الناس وحضر تقاضيهم ، قال المبتاع : إنه أصاب الثمر العفن والدمان ، وأصابه مراق ، قال أبو جعفر : الصواب هو مراق ، وأصابه قشام ، عاهات يحتجون بها ، والقشام : شيء يصيبه حتى لا يرطب . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لما كثرت عنده الخصومة في ذلك : فلا تتبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر ، كالمشورة يشير بها لكثرة خصومتهم ، فدل ما ذكرنا أن أول ما روينا في أول هذا الباب عن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، من نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها إنما كان على هذا المعنى لا على ما سواه . ذكر معناه : قوله : ( من بني حارثة ) ، بالحاء المهملة والثاء المثلثة ، وفي هذا الإسناد رواية تابعي عن مثله عن صحابي عن مثله ، والأربعة مدنيون . قوله : ( في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أي : في زمنه وأيامه . قوله : ( فإذا جذ الناس ) ، بالجيم والذال المعجمة المشددة أي : فإذا قطعوا ثمر النخل ، ومنه الجذاذ ، وهو المبالغة في الأمر ، كذا في الرواية : جذ ، على صيغة الثلاثي وفي رواية ابن ذر عن المستملي والسرخسي : أجذ ، بزيادة ألف على صيغة الثلاثي المزيد فيه . ومثله ، قال النسفي : وقال ابن التين أكثر الروايات : أجذ ، قال : ومعناه دخلوا في زمن الجذاذ ، مثل أظلم دخل في الظلام ، وفي ( المحكم ) : جذ النخل يجذه جذا وجذاذا وجذاذا : صرمه . قوله : ( تقاضيهم ) ، بالضاد المعجمة ، يقال : تقاضيت ديني وبديني واستقضيته : طلبت قضاه . قوله : ( قال المبتاع ) ، أي : المشتري ، وهو من الصيغ التي يشترك فيها الفاعل والمفعول ، والفرق بالقرينة . قوله : ( الدمان ) ، بفتح الدال المهملة وتخفيف الميم ضبطه أبو عبيد ، وضبط الخطابي بضم أوله ، وقال عياض : هما صحيحان ، والضم رواية القابسي والفتح رواية السرخسي ، قال : ورواها بعضهم بالكسر ، وذكره أبو عبيد عن ابن أبي الزناد بلفظ : الإدمان ، زاد في أوله الألف ، وفتحها وفتح الدال ، وفسره أبو عبيد بأنه فساد الطلع وتعفنه وسواده ، وقال الأصمعي : الدمال ، باللام العفن . وقال القزاز : الدمان فساد النخل قبل إدراكه ، وإنما يقع ذلك في الطلع يخرج قلب النخلة أسود معفونا ، ووقع في رواية يونس : الدمار ، بالراء بدل النون وهو تصحيف ، قاله عياض ، ووجهه غيره بأنه أراد الهلاك ، كأنه قرأه بفتح أوله . وفي ( التلويح ) : وعند أبي داود في رواية ابن داسة : الدمار ، بالراء كأنه ذهب إلى الفساد المهلك لجميعه المذهب له ، وقال الخطابي : لا معنى له . وقال الأصمعي : الدمال ، باللام في آخره : التمر المتعفن ، وزعم بعضهم أنه فساد التمر وعفنه قبل إدراكه حتى تسود من الدمن ، وهو السرقين ، والذي في ( غريب ) الخطابي ، بالضم ، وكأنه الأشبه ، لأن ما كان من الأدواء والعاهات فهو بالضم : كالسعال والزكام والصداع . قوله : ( أصابه مراض ) ، كذا هو بضم الميم عند الأكثر ، قاله الخطابي ، لأنه اسم لجميع الأمراض ، وفي رواية الكشميهني والنسفي : مراض بكسر الميم ، ويروى : أصابه مرض . قوله : ( قشام ) ، بضم القاف وتخفيف الشين المعجمة ، قال الأصمعي : هو أن ينتفض ثمر النخل قبل أن يصير بلحا . وقيل : هو أكال يقع في الثمر ، وقال الطحاوي في روايته : والقشام شيء يصيبه حتى لا يرطب . قوله : ( أصابه ثالثا ) ، بدل من أصابه ثانيا . وهو بدل من الأول . قوله : ( عاهات ) ، مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف : تقديره ، هذه الأمور الثلاثة عاهات ، أي : آفات وأمراض ، وهو جمع عاهة ، وأصلها عوهة قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، وذكره الجوهري في الأجوف الواوي ، وقال : العاهة الآفة ، يقال : عيه الزرع وإيف ، وأرض معيوهة ، وأعاه القوم : أصابت ماشيتهم العاهة . وقال الأموي : أَعوه القوم ، مثله . قوله : ( يحتجون بها ) ، قال الكرماني : جمع لفظ : يحتجون ، نظرا إلى أن لفظ المبتاع جنس